السيد علي عاشور

52

موسوعة أهل البيت ( ع )

فبينما أنا ذات ليلة في منزلي بسر من رأى وقد مضى هوى من الليل ، إذ قرع الباب قارع ، فعدوت مسرعا ، فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي بن محمد - عليهما السّلام - يدعوني إليه ، فلبست ثيابي ودخلت عليه فرأيته يحدث ابنه أبا محمد عليه السّلام وأخته حكيمة من وراء الستر ، فلما جلست قال : يا بشر إنك من ولد الأنصار ، وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف ، وأنتم ثقاتنا أهل البيت ، وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها سائر الشيعة في الموالاة بهما بسر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة ، فكتب كتابا ملصقا بخط رومي ولغة رومية ، وطبع عليه بخاتمه ، وأخرج شنسقة « 1 » صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا . فقال : خذها وتوجه بها إلى بغداد ، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا ، فإذا وصلت إلى جانبك زوارق السبايا وبرزن الجواري منها فستحدق بهن طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق ، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن يزيد النخاس عامة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا ، لابسة حريرتين صفيقتين ، تمتنع من السفور ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمل مكاشفها من وراء الستر الرقيق ، فيضربها النخاس ، فتصرخ صرخة رومية ، فاعلم أنها تقول : واهتك ستراه . فيقول بعض المبتاعين : عليّ بثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة ، فتقول بالعربية : لو برزت في زي سليمان وعلى مثل سرير ملكه ما بدت لي فيك رغبة ، فاشفق على مالك ، فيقول النخاس : فما الحيلة ولا بد من بيعك ، فتقول الجارية : وما العجلة ولا بد من إختيار مبتاع يسكن قلبي إليه إلى أمانته وديانته ، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له : إن معي كتابا ملصقا لبعض الأشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه ، فناولها لتتأمل منه أخلاق صاحبه ، فان مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك . قال بشر بن سليمان النخاس : فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية ، فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا ، وقالت لعمر بن يزيد النخاس : بعني من صاحب هذا الكتاب ، وحلفت بالمحرجة المغلظة « 2 » إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها ، فما زلت اشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السّلام من الدنانير في الشنسقة الصفراء ، فاستوفاه منى وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد ، فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها عليه السّلام من جيبها وهي تلثمه وتضعه على خدها وتطبقه على جفنها وتمسحه على بدنها . فقلت تعجبا منها : أتلثمين كتابا ولا تعرفين صاحبه ؟

--> ( 1 ) في بعض المصادر : شستقة والبحار : شقة ، على أي حال المراد الصرة التي يجعل فيه الدنانير . ( 2 ) المغلظة : الموكدة من اليمين ، والمحرجة : اليمين التي تضيق مجال الحالف بحيث لا يبقى له مندوحة عن بر قسمه .